Friday, October 16, 2009

عبدو....هي هي ام عبدو



التحلق في ليالي الشتاء البارده تحمل 5 ارغفه علي يدك بدون شبكه متحلقا حول الطاسه
متدفئا ببخار الزيت المتكثف اعلي الطاسه مانعا بصعوبه لعابك من السيل تنظر حولك لتجدهم متاملين مثلك الطاسه وكأن سحرا يجذبهم اليها التحول التدريجي للفلافل من اللون الاخضر الي الاصفر كتحول ام عبده ذاتها من البونيه للطرحه من اغاني قنديل الصباحيه الي ترتيل قناه الفجر الفضائيه
تقليبها بيدها البيضاء الحانيه للعجينه رشها للملح بسخاء ثم غمس اليد في قدر الماء الصافي ليتعكر في لحظات ويتحول لبركه خضراء تقطير بعض من الماء الاخضر في الطاسه لجلب الرزق وتنبيه المتحلقين بصوت اختلاط الماء بالزيت الساخن
تغمض عينيها وتتلو ما تحفظه من تراتيل تكور جزء من العجينه تحفر وسطه تحشو كرشه تستر الكرش تعود لتمحيه تطرزه بالسمسم تسقط القرص الاول برفق لن يتكرر في الاقراص التاليه وتبدا حمي القلي بكل ما تحمله من ضوضاء وامل وفوضي ايمانك التام بان الطاسه لن تكفي كل هذا العدد من الاقراص وايمانها التام بانك مازلت غر ساذج لا تستطيع تقدير حدود ارضك
امساكي بالسيخ الحديدي بيد مرتعشه تتعلق بها عيون المتحلقين وغمسها في الزيت والسعي لايجاد واحده قد اوشك ظهرها علي الاصفرار اقترب بحرص من جانبها تتصاعد دقات قلبي المسها واقلبها برعونه تكاد ان تنفطر معها لنصفين وينفطر معها قلبي وقلوب المتحلقين ايضا ثم تصدر تنهيده الارتياح مع كل تقليبه ناجحه
الشعور بالفخار والابتسامه التي تعلو شفتي بعد الانتهاء من كافه محتويات الطاسه ندائي لام عبدو ايذانا مني بالانتهاء وتاكيدا علي ان من حولي امامهم ملايين السنين الضوئيه حتي يستطيعو انجاز هذا العمل في ذلك الوقت القياسي
اختفاء العيش البلدي ليحل مكانه العيش الشامي بكامل وقاحته وارتفاع سعره وصغره
اسوداد الزيت الذي لا يتغير وانما يزود حين ينقص فقط وتترك التنقيه لرحمه الرب ومصفاه المواد الصلبه فقط
اشكاليه القرطاس الابديه هل هو ورق ابيض ساده خوفا من مراقب وزاره الصحه ام بقايا كراسات تحمل الام طلاب سابقين لم تتجاوز درجاتهم الحد الادني للنجاح فلم يقدرو الا علي اخفائها ببقع زيتيه لا تجيدها الا ام عبدو

اختفاء الجدران الجيريه وصوره عبد الناصر وراديو فيليبس ليحل مكانهم جدران رخاميه وصوره المعوذتين وتليفزيون جولدي 

مخزن الخوف الاول والبصل والفول ورجل شركه النحاس الذي فقد اماميتيه واستبدلهم بفضه خالصه من اجل اناره المخزن في نهارات الشتاء الداكنه منفاه الاجباري من قبل ام عبدو بعد احداث الشغب المتكرره مع متحلقي الطاسه الرجل الذي لم يتوفي منذ 5 سنوات رغم اصرار الاغيار علي موته وتحوله الي ملاك زيتي

اعتصام متحلقي الطاسه لنيل اكياسهم البلاستيكيه كامله رغم اصرار ام عبدو علي زياده قوه تحمل المتحلقين بحمل القرطاس الساخن حتي المنازل بدون كيس بلاستيكي ضغطا للنفقات
اهي محشيه ام ساده هذا هو السؤال الوجودي الذي لم استطع الاجابه عليه حتي الان رغم كل هذا الكم من القراطيس والاقراص والاطباق




تعليق علي البوست

يدعوك شمعون منذ السطر الأول لأن تعيش التجربة معه . فهو يوجه الخطاب اليك مباشرة . كما أنه يصدر فقراته بالفعل فى صيغة المصدر . فلا هو فعل مض , ولا فى المستقبل , ولا الحاضر . هو يدعوك لأن تترك كل الأزمنة وتحيا التجربة فى زمن سرمدى يكتسب ديمومته من العاطفة الفياضة التى تحتضن بها الروح الانسانية تفاصيل الحياة الصغيرة البسيطة المليئة بالدهشة , والقادرة ببساطتها المفرطة على أن تسكن القلب . ليس كل قلب . بل القلب المفتوحة مصاريعه لاستقبال الدهشة . القلب الذى لم تلوثه المادية المفرطة , فتحوله كتلة صماء تحيا فى خواء .

      والمدهش هو أن التجربة كلها تتناول فعلا فى منتهى البساطة , عشناه جميعنا مرارا , هو عملية صنع أقراص الفلافل , وتحلق الزبائن , وتلهفهم على الحصول على الأقراص ساخنة طازجة . ومناط الدهشة أن استطاع الشاطر استخراج هذا الكم المدهش من العاطفة من مثل هذا العمل الروتينى الجار فى كل شارع وحاره ( وزنجه ) على مدار كل ساعات النهار . دعونا نستعرض فى عجالة بعض قدرات القص التى يظهرها النص .
1- قدرة الكاتب على صنع الصورة .
حالة التحلق حول الطاسة . انظر كيف استخدم بخار الزيت المتكثف فى ليلة شتائية ليبعث فيك الدفء , ويسيل لعابك فيحرك حاسة التذوق , فى حين تتحول الأقراص من اللون الأخضر الى الأصفر فتستيقظ حاسة البصر , فاذا المشهد حيا تعيشه بحواسك محتشدة .
فى الفقرة الثانية  ( تكور جزءامن العجينة , تحفر وسطه , تحشو كرشه , تستر الكرش , تعود لتمحوه ,تطرزه بالسمسم , تسقط القرص الأول برفق , وتبدأ حمى القلى . ) الانتقال السريع , والجمل القصيرة , كالمتدارك الذى صنع شعر الملاحم , اجراءات التحضير للمعركة  تمضى بصمت وجدية , حتى تحين ساعة الصفر , فتسقط القرص الأول . لتدوى نيران المدفعية , وتبدأ حمى القلى . الله . ثم تقول تعقيبا على الغر ما يعنى انها تدرك المدى الذى يمكنها الذهاب اليه , انها امرأة  تملك من الثقة مايحتاجه قائد فى الميدان . صورة حية محتشدة .
2- القدرة على الانتباه للتفاصيل البسيطة التى تثرى التجربة ,كالماء فى القدر الذى تعكره يد أم عبدو ,ورش الملح بسخاء. وصوت اختلاط الماء بالزيت الساخن . تنهيدة الارتياح . وتقوم التفاصيل الصغيرة بدور الاكسسوار الذى يوشى العمل الفنى فيزيده ثراء .
3- رصد مظاهر التحول التى تشى بالحنين للماضى .نلمسها فى وقاحة العيش الشامى , تأمل الحشد والتكثيف فى لفظ  وقاحته وان كان أفسد الدفقة عندما تولى عن المتلقى تفسير الوقاحة بارتفاع ثمن الرغيف  وصغر حجمه . وما كان أغناه عن ذلك . وانظر تحول أم عبدو من البونيه الى الطرحة , ومن أغانى قنديل الى تراتيل الفجر , يصلك الاحساس بحلول شىء مصنوع محل شىء أصيل . نفس المعنى يحمله اختفاء الجدران الجيرية وصورة عبد الناصر .
4- ويظل ما يميز شمعون هو الحس الساخر . كالربط بين تحول لون الأقراص وتحول أم عبدو نفسها .
  وانظر الى عبارة ( مع كل تقليبة ناجحة ) . فأضفاء الكثير من الأهمية والخطورة على فعل بسيط هو نوع من المفارقة تحمل قدرا من السخرية . كما فى اسوداد الزيت وترك التنقية لرحمة الرب . والام الطلاب السابقين فى بقايا الكراسات التى تتحول الى قراطيس مخالفة لشروط الصحة .

والمدهش فى النهاية هو قدرة شمعون على رسم شخصية أم عبدو من خلال السرد وعلى مدار الحكى بلمسات أو ( لطشات ) فرشاه موزعة بمهارة بين الفقرات . هيا نتتبع هذة اللمسات المتفرقة.
-ا لتحول الذى طرأ على شكل ومزاج ام عبدو فى نهاية الفقرة الأولى
- يدها البيضاء الحانية .
- رشها للملح بسخاء .
- سلطتها المتمثلة فى قدرتها على تكليف أحد الزبائن بالتقليب .
- مواكبتها لروح العصر الاستهلاكى فى استبدال الجدران الرخامية والمعوزتين بالجدران الجيرية وصورة عبد الناصر .
- سطوتها كما فى نفى رجل شركة النحاس .

من هى أم عبدو فى الواقع ؟ .. انها الشخصية التى تمثل الانسان المصرى الطبيعى الذى يسكن قلب المدينة . الانسان الذى استطاع أن يسلح نفسه بأسلحة متناقضة من التقى والعصيان , ومن الشدة واللين , ومن البطش والحيلة . لكى يشق طريقه وسط غابة من السلوك والممارسات العشوائية .
يتبقى أن نوجه التحية لشمعون , أن استطاع أن يحشد كل هذا الزخم فى أقل من ثلاث صفحات , وبقدر ماأوجه له التحية , أدعوه للأمساك بالمشرط . كما أدعوه للأهتمام بعلامات الترقيم .
                                                                                      محسن الطوخى  

Post a Comment